ابو فراس

10

الإيضاح

وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . فلمّا صحّ ان المسلم هو من عمل على الشرائع الناسخة ، وان إبراهيم هو الذي سماهم المسلمين ، وان من شيعته نوحا ، وقد ثبت ان نوحا هو أول من شرع الشريعة ، وانه اوّل من سمّى أمته المسلمين ، وان إبراهيم اقتدى به في تسمية أمته بذلك ، وان الاشياع يقتدون بمن هم من شيعته ، وممّا يزيد في قولنا هذا تأكيدا حكاية عن نوح حيث قال : وما انا بطارد المؤمنين ، فلمّا كان لنوح شريعة ، ثبت انه لم يكن في دوره مؤمن ، الّا بعد ان كان مسلما ، لان الرجل لا يصير مؤمنا الّا بعد وصوله إلى التأويل ، ولا يصل إلى التأويل ، الّا بعد ان يقرأ شرائع صاحب الدور ويعمل عليها ، وكل من عمل على شرائع صاحب دوره فهو مسلم ، ولذلك قال اللّه عز وجل : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، لأنهم عملوا على شرائع صاحب دورهم ، ولم يقفوا على تأويله ، وهذا دليل على أن إبراهيم كان عاملا على الشرائع ، واقفا على تأويلها ، وان اللّه جل وعز لم يختص بتسميته مسلما حتى قرنه به فقال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً ، يعني مؤيدا واقفا على التأويل مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني عاملا على الشرائع ، ثم بيّن عز وجل أولى الناس به من اجتمعت فيه هاتان الخلتان كاجتماعهما فيه وهما العلم والعمل ، وان أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه ، يعني الذين يعملون على الشرائع ويطلبون تأويلها اتباع له ، وهذا النبي يعني محمدا ، والذين آمنوا ، ولم يقل والذين اسلموا ، واللّه ولي المؤمنين ، ولم يقل ولي المسلمين ، لان المؤمن هو الحنيف والمسلم جميعا ، وهو من يعمل كما كان إبراهيم حنيفا مسلما ، والمسلم هو المسلم وليس بحنيف . فإن قال قائل : أليس المسلم من يعمل على الشرائع التي شرعها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ وهل كانت شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى مثل هذه الشريعة ؟ قلنا له :